أبو عطوان.. رسالة الحرية وأسد يأبى الشلل

2021-07-09
الكاتب : موفق مطر

"لن أسمح لأطباء الاحتلال العنصري الإسرائيلي بفحص جسدي، فهذه مهمة الأطباء الفلسطينيين فقط  ولن أقبل هذا الفحص إلا في مستشفى فلسطيني".

هذا هو فحوى موقف المناضل الوطني الفلسطيني الأسير الغضنفر أبو عطوان  المضرب عن الطعام منذ حوالي 65 يوما تخللها منذ بداية هذا الأسبوع الإضراب عن شرب الماء، أثناء وجوده في مستشفى (كابلان) العسكري التابع لسلطة منظومة الاحتلال الإسرائيلي، بجسد نحيل ووجه لا يغيب عنه نور الإيمان الروحي والإيمان بالانتماء لشعب ووطن حر كريم عزيز ينتظر انتصار حقه الإنساني وحريته وكرامته وموقفه الوطني.

رغم ضعف قدرته على الكلام والتعبير إلا أن عيونه توحي بصلابة المناضل الإنسان المرتبط بجذور عائلته الصغيرة وعائلة الوطن الأكبر، ولعل كل من شاهد شريط الفيديو للأسير أبو عطوان مع والدته وما فاض من لقطات الشريط (الموجز) من عواطف إنسانية، ورغبة صادقة في الحياة ولكن ليس بأقل من الحرية والكرامة- أدرك الجريمة التي ترتكبها سلطات منظومة الاحتلال الاستعمارية العنصرية الإسرائيلية باحتجاز حرية إنسان فلسطيني بقرار اعتقال إداري يعتبر بحد ذاته جريمة بحق القانون الدولي ومواثيق الحقوق والحريات الإنسانية.

صور لقاء تلفزيون فلسطين في حلقة خاصة من برنامج ملف اليوم مع الأسير أبو عطوان وشقيقته بينظير متوشحا الكوفية الفلسطينية رمز الفداء والتاريخ والثورة استدعت من ذاكرتنا الثقافية صور آلام السيد المسيح التي لا يحسها ولا يدركها إلا المؤمنون بالحرية باعتبارها جوهر الإنسان كمخلوق، والمؤمنون بالعدالة، وهذا حالنا في وطننا فلسطين نناضل لنيلها، حتى بتنا نحمل عبء تحرير الإنسانية من الظلم، وتحمل آلام هذا الدرب.

رغم تواضعه بقوله: "من أنا أمام تضحيات الأسرى الشرفاء؟" صار أبو عطوان رمزا وطنيا يبعث برسالة قديمة جديدة إلى شعوب ودول وحكومات العالم، والهيئات والمنظمات الدولية ولكل معني بالقضية الفلسطينية بأن الحياة بالنسبة لنا دون الحرية والاستقلال لا تعنينا حتى لو وفِر لنا السمن والعسل على مائدة الأغنى والأفقر منا على حد سواء في أطباق من ذهب لثلاث وجبات يوميا، فحريتنا كرامتنا، وكرامتنا الإنسانية حريتنا، ونعتقد أن أخت الأسير قد أعلت هذا المبدأ عندما نطقت نيابة عن شقيقها الأسير بصلابة وشجاعة وتحكم غير مسبوق في المشاعر والانفعالات العاطفية، وقالت حرفيا: "إن الغضنفر لن ينهي إضرابه إلا بنيل حريته، وهو يمتلك حرية القرار والاختيار ويستحق الدعم والمساندة في معركته مع السجان".

شقيقة الغضنفر التي تحمل تيمنا اسم رئيسة وزراء الباكستان السابقة بينظير بوتو ابنة رئيس باكستان الأسبق ذو الفقار علي بوتو- رحمها الله- كانت صديقة للشعب الفلسطيني ولرمز الثورة الرئيس الشهيد ياسر عرفات، وجدت في الدعم والمساندة التي تلقاها الأسير الغضنفر من الرئيس محمود عباس، أبو مازن، وهيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير وقوى الشعب الفلسطيني الحية منبعا يعزز روحه المعنوية ويبعث الأمل والثقة في نفسه بإمكانية الانتصار في هذه "الملحمة البطولية والمواجهة مع منظومة احتلالية عنصرية"، لكنها لم تغفل عن تحذير الجميع بإمكانية تعرضه لنوبة قلبية أو خلل في الدماغ يؤدي لشلل دائم، ونعتقد أن سلطات الاحتلال الإجرامية ستبقى تعمل حتى ترى الأسير الغضنفر أبو عطوان مجرد (أسد مشلول)– الغضنفر اسم من أسماء الأسد-  فتنتقم ليس منه وحسب بل من عائلة وطنية فلسطينية مناضلة ينتمي معظم أفرادها لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح فعلا وعملا قبل القول والتنظير، عائلة تناضل حتى بالأسماء فبعض شقيقاته يحملن أسماء مدن ومناطق فلسطينية (بيسان) و(يافا)، وأخوه الجنرال محمود، وعمه المناضل الشهيد صاحب العلامة الفارقة في الكفاح المسلح باجس أبو عطوان، أما خاله منيف أبو عطوان فهو أسير ومحكوم بالاعتقال المؤبد مدى الحياة ست مرات!!

لم يخضع أبو عطوان لجبروت وسطوة وتهديدات سلطات الاحتلال يوما، فكان يرفض الاستجابة لاستدعاء ضباط المخابرات بحكم التزامه في صفوف الضابطة الجمركية الفلسطينية التابعة لقوات الأمن الفلسطينية منذ العام 2014 حتى وإن حالت بينه وبين دراسة علم النفس في الجامعة عبر وضعه هدفا للملاحقة والاعتقال بين الحين والآخر.. لكن من قال إن الفلسطيني يحتاج لشهادات جامعية ليصبح معلما أو صاحب نظرية، فأبو عطوان هو القائل بهذه المعادلة: "الاحتلال عنيد لكننا نحن الشعب الفلسطيني نمتلك الصلابة، عندهم القوة لكن الحق عندنا.. إن مصدر قوتي كل الشعب الفلسطيني الصابر". وقال أيضا: "وعدت نفسي أن أبقى مركّزا ذهنيا كي أنتصر.. فرسالتي واضحة وهي حريتي، المحتلون يرفضون لأنهم يريدون الانتقام من عائلتي فيقولون إن أيادي عائلتي ملطخة بالدماء. وكأن ما على أيادي ضباطهم وجنودهم حناء!".