الانتخابات في القدس.. خط احمر

2021-04-29
الكاتب : موفق مطر

 مفيد جدا في هذه اللحظات التأكيد على الجريمة الأفظع التي قد يرتكبها من يحسب نفسه قياديا أو رياديا، أو قد يكون في هذا الموقع  بتكليف من الجماهير أو في غفلة عنها حتى، الجريمة هي السماح لليأس بالنفاد إلى نفسه.. فيسقط ويفقد كرامته ويأخذ معه بعض الجمهور إلى متاهة، وهذا ممنوع في اللحظات المصيرية عند الشعب الفلسطيني، وهنا تكمن مهمة القيادة الوطنية التي يجب عليها ألا تسمح بهذا الانهيار وتمنع سقوط أي راغب في ارتكاب جريمة الخيانة بحق القدس، فالانتحار قد يكون قرارا شخصيا ذاتيا لكنه جريمة حسب القوانين والقيم الأخلاقية والمبادئ الروحية، وعليه فإن القيادة التي ستجتمع مساء اليوم الخميس بإمكانها وبقرار حاسم واضح لا لبس فيه منع جريمة الخيانة الوطنية، فالقدس لا يملك أحد حق اتخاذها مادة للفهلوة والمخادعة اللسانية السياسية.

بات واضحا أن دولا كبرى وأخرى ذات وزن في الإقليم غير قادرة على الوفاء بتعهداتها لقيادة دولة فلسطين الصغيرة التي تثبت الأيام أنها أقوى وأعظم وأكبر بقراراتها ومواقفها العاكسة لمبادئ الشعب الفلسطيني وأهدافه وطموحاته، رغم الفارق الكبير بين تلك الدول التي ساهمت بإنشاء منظومة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني المسماة إسرائيل ولها مصالح كبرى معها لكنها حتى اللحظة لا تنتصر لمبادئها وقيمها التي تروجها والوفاء بتعهدات تقطعها على نفسها لدولة فلسطين التي تملك الإرادة بالوفاء والالتزام بتعهداتها رغم واقع الاحتلال المؤلم للغاية، فرئيس شعبها وقائد حركة تحررها الوطنية محمود عباس أبو مازن يعطي للتاريخ كل يوم دروسا في المنهج الأخلاقي للسياسة والقيادة والحكم، ولمعنى السياسة الواقعية يأبى مجاراة  دول عظمى في الهبوط والتراجع إلى خط العجز والتقاعس عن الانتصار لمبادئ الحرية والحقوق الأساسية ونصوص القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، بموقف لا يليق بدول تعتقد بقدرتها على حفظ السلام والاستقرار في العالم، فالعجز بالنسبة للرئيس أبو مازن لا يليق بقيادة حركة تحرر وطنية وشعب يملك من الإرادة والإيمان والصبر القدرة على الصمود والمواجهة ما يجعله مؤثرا أكثر من تأثير تلك الدول ومصالحها، فالقضية هنا تتعلق بمصالح وطنية يسعى الرئيس أبو مازن لإعلائها وتنزيهها عن (لعبة المصالح) والكسب المحدود، فيما تلك القوى الإقليمية ودول كبرى اعتادت بسط نفوذها وتمرير سياساتها على كثير من المناطق ودول مستقلة في العالم وفق (لعبة المصالح) التي غالبا ما يكون فيها الضغط العامل الرئيس لترجيح كفة المصالح بنسبة 99% لصالح تلك الدول فيما يحظى الملعوب بمصالح شعوبهم بالباقي، وهذا مالا يمكن لفلسطيني وطني قبوله، فكيف وأن الرئيس أبو مازن قد تصدى باسم الشعب الفلسطيني لخطة ترامب الاستعمارية التي من ضمن ما تضمنت إغراءات مادية ووعود بمصالح ومكاسب (مليارية) أسالت لعاب البعض هنا  لدرجة أنهم ذهبوا في عملية خداع الجمهور إلى مرحلة ركوب صهوة الخطابات الممجوجة بالمصطلحات الوطنية للضغط على الرئيس أبو مازن وقيادة حركة التحرر الوطنية للمضي بالعملية الانتخابية حتى لو لم يتم إجراؤها في القدس، فالقدس خط أحمر لا يمكن السماح بالمساس بها كما قال الرئيس أبو مازن، أما التراجع عن قرار "لا انتخابات دون القدس" فهو "جريمة وخيانة وهذا أمر محسوم"، كما قال نائب رئيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في حديث مع إذاعة موطني بالأمس، فالدول العاجزة عن الضغط على منظومة الاحتلال وعاجزة عن الوفاء بتعهداتها التي قطعتها للقيادة بمنع سلطة الاحتلال (إسرائيل) من عرقلة الانتخابات في عاصمة فلسطين المحتلة القدس لا يمكنها ولا بأي شكل استخدام أدواتها للضغط على القيادة الوطنية الفلسطينية، فأدواتها أعجز من أن تؤثر على قرار وطني كان خلاصة لرؤية وطنية خالصة جوهرها أن إصرار القيادة على إجراء الانتخابات في القدس مرتبط ببعدها السياسي السيادي وليس بإجراءات فنية مثل أماكن وضع صناديق الاقتراع ومقترحات بعض السذج بوضعها في قنصليات أو سفارات لا تملك سيطرة أبعد من أسوارها وعتباتها !!

بثت خلال الأيام الماضية على وسائل التواصل الاجتماعي عشرات الفيديوهات تثبت انقلاب حماس وموقعين آخرين على بيان صدر في ختام الحوار الفلسطيني في القاهرة ونكثهم لتعهدهم بالالتزام في المادة الثانية من البيان ونصها التالي: "الالتزام بالجدول الزمني الذي حدده مرسوم الانتخابات  التشريعية والرئاسية  مع التأكيد على إجرائها في مدينة القدس والضفة الغربية وقطاع غزة دون استثناء والتعهد باحترام وقبول نتائجها".. والغريب أن هؤلاء العاجزين عن الوفاء بتعهداتم والالتزام بما وقعوا عليه يتهمون قيادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح والرئيس أبو مازن باتخاذ القدس كذريعة لتأجيل الانتخابات، فهؤلاء العاجزون عن المشاركة في فعاليات وطنية شعبية كفاحية للضغط على منظومة الاحتلال يوجهون ضغوطهم نحو القيادة، مثلهم كمثل دول كبرى تعهدت بالضغط على إسرائيل لمنع عرقلة الانتخابات فأظهروا عجزهم واستسلامهم، وأكثر ما نخشاه أن يتجهوا للضغط على القيادة للذهاب إلى انتخابات دون القدس.. لكن مهما بلغ ثقل وشدة ضغط هؤلاء ومعهم ظلالهم التي لا وزن لها ولا تأثير سوى في التشويش على الرؤية، فإننا على يقين بأن الرئيس أبو مازن الذي وقع على مراسيم الانتخابات ومعه القيادة الوطنية التي ليس اليأس والعجز في قاموسها لن يسمح- متسلحا بإجماع الشعب الفلسطيني- بارتكاب جريمة الخيانة هذه مهما كان ثمنها، ونعتقد أن هبة المقدسيين كفيلة بمنح القيادة المؤمنة بإرادة الشعب زادا يكفي لتطبيق قرار الشعب الفلسطيني بالانتخابات في القدس حتى ولو بعد حين، فالأهم بقاء القدس هدفا لكل مسارات نضالنا والانتخابات واحدة منها، أما الانتخابات فإنها وسيلة لإثبات مركزية القدس في قضيتنا، وأنها عاصمة دولة فلسطين المحتلة، وأن مشاركة المقدسيين في العملية الانتخابية كاملة تعني أنهم مواطنون فلسطينيون في أرض مدينة فلسطينية محتلة منذ العام 1967 وينطبق عليها القانون الدولي ووفقه لا يحق للقوة القائمة بالاحتلال منعهم من حقوقهم السياسية والأساسية والإنسانية، وربما نستطيع فتح ملف جديد لمحاسبة منظومة الاحتلال لدى محكمة  العدل الدولية، وكذلك لدى الجنائية الدولية لأن اعتقال المرشحين ومنعهم يعتبر اضطهادا ويحسب جريمة فصل عنصري.